الحلقة 3 : يوم مشهود مع حكماء قرية سانغو

جمعية الأطر والمستخدمين بالبنك نشيطة. استدعتني للمشاركة في نزهة رياضية يوم السبت  17 نونبر 2012. فريقنا سيشارك في دوري كرة القدم بقرية سانغو حوالي 30 كيلومتر من العاصمة. فرصة أخرى لاكتشاف الناس والزمان والمكان.انتهت الطريق المعبدة. مشينا راجلين في أزقة ودروب وسط المساكن. خلال مسيرنا دهشت كثيرا  لاندهاش الآخرين. الأبيض في قريتنا! الأطفال الصغار يطلون من النوافذ. كثير منهم خرجوا من كل حدب وتجمعوا خلفي وهم يصيحون “لو بلان…لو بلان.. لو بلان”. ينادون أطفالا آخرين ليلتحقوا بهم كي يروا هذا المخلوق الأبيض القادم من كوكب آخر. بعضهم اقترب مني يتلمسني ربما للتأكد من طبيعة بشرتي. حضرتني نكتة قديمة : قيل أن زنجيا خرج للقنص هو وابنه. لما توغلوا في الغابة وجدوا سائحة أوروبية تائهة. قال الولد لأبيه : أبي، سنصطادها ونأكلها في البيت. قال الأب : بل سنحتفظ بها في البيت ونأكل أمك! ! ! هي مجرد نكتة لكن الآن خلتها حقيقة. هؤلاء الذين تجمهروا حولي أليس فيهم ابن زنجي قناص؟ قلت مستغربا لزميلي بيير : هل سيأكلونني؟ أجابني مازحا : لا تخف.

يوم جميل بقرية سانغو. التقاليد هنا لها اعتبار وتقدير. لابد من مراعاتها. في البداية علينا زيارة مجلس القبيلة. الاستعدادات جارية في مقر المجلس. ألقينا التحية على الحاضرين…زعيم القبيلة وأعيانها جالسون يتقدمهم شخص قيل لي أنه المتكلم باسم زعيم القبيلة. يهمس هذ الأخير في أذنه بكلام غير مسموع لنا، ثم يقوم المتكلم واقفا ليردد جهرا على مسامعنا ما قاله الزعيم. نحن أيضا قمنا بتعيين الناطق باسمنا كزوار. يهمس رائدنا باترليمي في أذنه بالجواب ورد التحية والشكر فيقوم بترديدها جهرا ليسمعها أعضاء المجلس. بعد طقوس التحية والاستقبال، أهدونا قنينة خمر قيل أنها من النوع الجيد على الأقل في هذه القبيلة ومن صنع محلي. وضعت القنينة عند أقدام باترليمي. لم أفهم المغزى من هذا الأمر.  سألت زميلي بيير. قال لي : كان الزوار قديما يقطعون مسافات طويلة كي يصلوا هنا، وعند الوصول تقدم لهم القبيلة قنينة ماء لغسل أقدامهم من الوحل العالق بها. فهمت أنهم ربما كانوا يمشون حفاة. لا ضير. تطور الأمر كما تطورت أشياء كثيرة. الآن يهدونهم قنينة خمر بنفس الطريقة إلا أن الخمر عوض أن يغسلوا بها أقدامهم المنعلة فإنهم يغسلون بها معدتهم ويبللون بها أمعاءهم …أعجبتني هذه العادة وليس الخمر طبعا. لو تركوا الماء لكان أحسن. لا بأس. لكم دينكم ولي دين.

مجلس القبيلة مكون من الكبار سنا…والقاعدة تقول : لكل سلف خلف. لذلك يسارع مجلس الكبار لتأسيس مجلس شبابي من خيرة أبناء القبيلة لتدريبه وإعداده لتحمل المسؤولية…هكذا يكون جاهزا لتدبير شؤون القبيلة وتعويض الكبار عند وفاتهم. انقراض المجلس إذن غير وارد. يوم زيارتنا صادف تعيين أعضاء المجلس الشبابي. شرف كبير.

سألت أحد الحكماء من أعضاء المجلس مستفسرا إياه عن علاقة الأمر بالسلطات. أوضح لي بأن المسألة شأن داخلي يهم القبيلة وتقاليدها ولا علاقة للسلطات ولا للأحزاب بها لا من قريب ولا من بعيد. قلت : تدخلهم سيفسد عليكم متعتكم وتصيرون شيعا. إنهم قوم إذا دخلوا قرية أفسدوها. جعلوها شيعا وأذلوا أعزة أهلها. قلت هذا في نفسي طبعا.

طوال هذا اليوم من أيام الله تعالى، كنت أبيض فعلا و باطرون. قدموني لشيخ القبيلة…حسب العادات والتقاليد… ثم قبل انطلاق المقابلة الكروية قدموني للسلام على امرأة عصرية جدا…قيل لي أنها نائبة عامل المنطقة جاءت لتدشين التظاهرة. أعطيت انطلاقة المقابلة على طريقة المسئولين الكبار. استعد الفريقان. وقف الحكم في الوسط. الجمهور يتابع من المدرجات. لمست الكرة بقدمي مدحرجا إياها بهدوء الكبار…وانطلق اللعب. فريق البنك في مواجهة فريق شبان أكاديمية أبيدجان لكرة القدم.

في النهاية. سلمت الكأس للفريق الفائز والجوائز طبعا.

أثناء المباراة، كان المذيع، يعلق ويثير حماس الجمهور واللاعبين…لا أذكر كم مرة قال في تعليقاته : معنا اليوم ضيف من المغرب. من بلد كرة القدم. من بلد اللاعبين الكبار…فرس وبودربالة والزاكي…وكلما ذكرني يلتفت الناس إلي…في النهاية طلب مني كلمة للجمهور عن اللاعبين المغاربة الكبار…سألني أسئلة لم أكن أملك لها جوابا…حرج كبير…يظنون أن الأبيض يملك جوابا لكل الأسئلة. الجواب الوحيد الذي بقي عالقا في ذهني أني قلت في مكبر الصوت لما سألني كيف تجد نفسك في أبيدجان ؟   قلت : سعيد بتواجدي في بلد دروغبا. بلد كرة القدم. في المغرب نتابع أخبار نجومكم عن كثب.” ربما كان هذا الجواب كافيا ليجعلني ضيفا مرموقا على الأقل اليوم في قرية سانغو. شكرا دروغبا ومعذرة لأنك رفعت عني الحرج.