الواحدة بعد الزوال، حطت الطائرة بمطار أبيدجان. الجو مشمس. من فوق، تبدو أبيدجان جميلة، حديقة كبيرة، بنايات،…واد كبير يخترقها… السلام عليكم عبيد الجان…جئتكم هذه المرأة طالبا “التسليم”. سنقضي جميعا ثلاث سنوات قابلة للتجديد. ابتداء من يوم 8 أكتوبر 2012 إلى أن يشاء الله تعالى.
رجال بيض جدد يحلون بالمدينة… يمثلون مصالح مستثمر مغربي مساهم بمليار درهم في مجموعة بنكية تغطي سبعة دول إفرقية.
ميرسي باطرون…بونجور باطرون…كلمات صارت تطرق مسامعي كل لحظة… على الأقل هنا يشهدون لي بالبطرنة. لم يعترف لي بها أحد من قبل في مغربي الأقسى.
الرجال البيض الجدد يستحقون غرفا بفندق راق وسط المدينة…نوفوتيل. الغرفة مكلفة جدا لكن العبئ على المشغل مشكورا. خلفية غرفتي بالطابق الثامن تطل على النهر…لاكون…الذي يخترق بهدوء العاصمة في اتجاه البحر. منظر رائع يستهوي الكتاب والشعراء…حظ سعيد.
من الجهة المقابلة للنهر، تمتد مجموعة مقاهي ومطاعم راقية. في إحداها سأتخذ كل سبت صباحا مكانا للتأمل في النهر المنساب والكتابة على نغماته الهادئة. فيالجهة الملتصقة بالفندق، تصطف مقاهي مبنية بشكل تقليدي بسيط لكنه رائع. دأب أهل المدينة على الاحتفال فيها بمناسبات الأعراس…مناسبات ليلية رائعة…لم أحضرها لأنني لا أحب الضجيج.
الليلة الأولى مركزية وحاسمة. لابد من تسطير الحدود. لا مجال للخطإ في التعامل والعلاقات مع الناس. مع السود طبعا. لا أريد مشاكل. للمرة الولى أجدني وسط السواد الأعظم الحقيقي. ظاهر الكلام طبعا. إياك أن توضع في خانة العنصري الأبيض. كلمات علي تجنبها وإن كانت مهنية. نسبة إلى المهنة. تبييض الأموال. هذا الأسود. هذا العبد. الظلام. لابيط نوار بالفرنسية يعني العدو او الشخص الذي تبغضه. علي أيضا تجنب المناقشات الدينية. هنا يختلط المسلم بالمسيحي بالوثني تجاورا ومصاهرة وصداقة. فسيفساء مجتمعية جميلة علي أن أغوص فيها لأفهم أسرارها. فضول لا ينتهي.
نظرتك للسود قبل أن تندمج معهم وتخالطهم تختلف عما بعد أن تعايشهم يوميا مدة من الزمن. في البدء تحتار كثيرا إذ لا تستطيع تمييز الوجوه بسهولة. قد يحدث لك نفس الأمر في الصين. من يدري. وجوه متشابهة لكن مع مرور الأيام يبدأ التمييز تماما كما يحصل لطفل صغير.تبدأ في وضع الأسماء على الجباه. هذا بولس وهذا كوليبالي. هذه ماري وهذه ميتشل… ثم تشرع في اكتشاف شيء آخر…شيء رائع. لن تفهموني إلا إذا كنتم وسط عبيد الجان. إنه سحر السواد !!! سأفصل قليلا.
في البداية، قلت لي : ربما كان غض البصر في باب فقه العبادات والآداب أنه يقتصر على البيض فقط. كم أنا متخلف وعنصري ! أنت الآن وسط السود. لا خوف على وضوئك ولا خطر يوجب غض بصر. لا خوف على وضوئك من النقض …والإبرام. اجتهاد فقهي سأكتشف شذوذه مع الأيام. ثم أعود إلى رأي الجمهور. لا رجاء ولا وداد. إنه جمهور الفقهاء. أَوَ لهم جمهور؟ هذا موضوع آخر. اقرؤوا إن شئتم باب : من أحدث في ديننا أمرا ليس منه فهو عليه ردٌّ.
قلت ستكتشف شيئا رائعا. السواد أنواع : الفاتح والمتوسط والداكن. لكل نكهته وبريقه. والعجيب أنه كلما اشتد السواد، زاد روعة وبهاء. الآن والآن فقط أدركت أن لا حدود لغض البصر. فلنقف عند هذا الحد. مرة قال زميلي ينصحني هو الذي يفتخر أن له خبرة سابقة في بلد إفريقي : النساء السوداوات جميلات لكن احذر فالشعر الناعم على رأسهن مجرد قناع، ليس شعرهن الحقيقي ! صديقي هذا اشتعل رأسه شيبا يجره نحو السنة الأخيرة قبل التقاعد ومع ذلك يفتي في باب الفسق والفجور وكأنني استفتيته! علاقتنا ستنتهي عند هذا الحد. لدي اهتمام ولك اهتمام مختلف. وداعا.
أثناء كتابة أصحاب الفيل في ساحل الحاج، اكتشفت شيئين رائعين. سحر السواد وقد سبق الحديث عنه. وسحر القلم… بداية الأفكار في رأسك…والبقية في قلم تحبه وينصاع لك… اكتب وتمتع…فقط عليك أن تبدأ.
السود في أبيدجان نوعان. قسمهم كما شئت، حسب الوظيفة أو نسبة التعلم أو طبيعة الحرفة. المهم نوعان : الأول يشعرك أن له شخصية وكبرياء وعزة نفس. ينظر إلى الأبيض نظرة عادية وقد لا يعيرك اهتماما البتة وربما يشعرك بأنك غير موجود حوله أصلا. والنوع الثاني : يشعرك بأنك باطرون…أنك أبيض…غني…متعلم…يبالغ في احترامك إلى حد الحرج…وهم كثيرون للأسف. كل ما قرأته أيام الجامعة في رسالة إلى أخ من عبيد فرعون أو في التعليم الثوري لباولو فرايري ومعذبوا الأرض لفرانز فانون… لا مكان لها هنا على الأقل مع النوع الثاني. بلد جميل لكن الناس في حاجة للتخلص من عقدة الأبيض. شغل كثير ينتظر وزارة الثقافة والتعليم.