غرفة جميلة بالطابق الثامن بفندق نوفوتيل وسط حي راق..بلاطو… تطل على فضاء جميل ورائع. نهر لاكون وحوله خضرة موازية على الجانيبن. تلوح من بعيد بناية شاهقة. في الليل تصير كمنارة عظيمة كتب عليها “فندق ليفوار”. قيل لي أن الرئيس حسن وطارا كان يقيم هناك أثناء الحرب الأهلية الأخيرة. قررت زيارة المكان. ذهبت ليلا لاحتساء كوب قهوة في الطابق السفلي بغرض إشباع الفضول. لا أثر للحرب. السلم والسلام يعمان المكان. لاحظت أن مجموعة من الجنود يحرسون المكان. أهي الحرب عادت؟ قيل لي : لا تخف. المنتخب الوطني لكرة القدم يقيم الليلة في الفندق ولابد من تأمين إقامته كي لا يزعجه المعجبون المتجمعون على مقربة من الفندق. لا بأس. هي فرصة إذن. انا معجب أيضا. لكن الفرق بين معجب ومعجب كبير وكبير جدا. المعجبون السود يوقفونهم بعيدا عن الفندق. والمعجب الأبيض بإمكانه أن يقترب وربما يجلس قرب اللاعبين ويحاورهم. هذه حال الدنيا. حظي سعيد. وجدتهم أيضا في المقهى. رأيت دروغبا وجيريمي والآخرين. جلس بالقرب مني رجل أسود أنيق. أناقته جعلتني أخمن من أعيان المدينة. نادى بصوت مرتفع : ديديي ! لما مر بالقرب منا دروغبا مع أحد أصدقائه. التفت إليه دروغبا كمن يلتفت إلى طفل صغير يؤنبه على صراخه. لم يتكلم. أدار وجهه وانصرف إلى باقي اللاعبين. لمحت في عيني درغبا لما التفت شعورا بكبرياء لا حدود له. العجيب أن اسم دروغبا في مدينة أبيدجان مقرون بنوع من انواع الخمر التي أصبحت مؤخرا مشهورة في ساحل العاج. يسميها العامة باسمه دروغبا. استفسرت عن الأمر فقيل لي أن هذا النوع من الخمر لم يكن معروفا. لكن بمجرد ما رأى الناس وصلة إشهارية يحمل فيها دروغبا قنينة من نفس الخمر، ذاع صيتها وأقبل الناس عليها. شكرا دروغبا. يشفع له أنه يصرف مبالغ مالية كبيرة في بلده في أعمال خيرة واجتماعية. البحث عن التعادل أمر جيد.
أهل أبيدجان يشربون الخمر كثيرا. في المطاعم والحانات. لا يكتفون بكأس صغيرة أو متوسطة. مرة في أحد المطاعم لاحظت أن القوم يقبلون على كؤوس كبيرة. استفسرت فقيل لي هذه الكأس تسمى : 100 سنتيليتر ! يشربها العاجي أثناء وجبة واحدة ! ولأن ما دَأَبْتَ عليه تُعْرَفُ به فإن أبيدجان يتوسطها مستودع كبير. وعاء حديدي شاهق يعلو نحو الفضاء كهرم مصري. ظننته في البداية مستودع بترول كذلك الذي نشاهده من الطريق السيار لما نمر قرب مدينة المحمدية. اقتربت مرة من المستودع فدهشت لما رأيت بأنه مستودع لمعصرة خمر. كلوا واشربوا ثم ناموا ولا تستيقظوا.
فندق نوفوتيل حيث أقيم مليء بالحركة والنشاط. وفود رجال الأعمال والممثلين والوكلاء التجاريين تتوافد عليه يوميا. من كل الأجناس ومن كل أنحاء العالم. استثمارات ونوايا استثمارات بالجملة. كل هذا يعكس انفتاح ساحل العاج على العالم. رغم ثمنه المكلف جدا، تحتاج أحيانا أن تقف في صف طويل إذا أردت الدخول إلى المصعد. كثيرا ما يكون الطابور كله من مواطنين صينيين جاؤوا للتو من المطار. سفارتهم في أبيدجان بناية محصنة ومحكمة كأنها قلعة حربية. احتلال أفريقيا يبدأ من أبيدجان. ربما هكذا قيل أو خيل لي.
في الطابق الأرضي، مطعم وباحة لمن أراد استنشاق هواء نقي. ومسبح أيضا. نهاية الأسبوع تجد العديد من البيض منزوين في أركان الفندق مع عشيقاتهم السوداوات المختارات بعناية فائقة. لحظات متعة بلون مختلف تستهوي هؤلاء الفرنجة. يرن جرس الهاتف النقال: أنا في الفندق مشغول وجد متعب. أهيئ تقريرا لاجتماع الغد. الأمور بخير. ليلة سعيدة عزيزتي. قبلاتي. ينهي المكالمة ويلتفت إلى الزنجية متما حديثا سابقا. من الجهة الأخرى في مكان من الكرة الأرضية إمرأة تظن أن زوجها فعلا مشغول ومرهق. يحبني مسكين. آه كم هو مخلص. وربما التفتت إلى خليلها وقالت : الغبي. يظن أنني لا أعرف مكره. اللعنة على إبليس. كما تقتل تموت يا ملك الموت.
مرة قررت أن أجول ليلا حول جنبات الفندق مقابل النهر. متعتي لم تدم طويلا. الأزقة خالية من المارة. فجأة شعرت بخطى مسرعة من خلفي. التفتت. فتاتات سوداوان دهونهما تعكس ضوء الإنارة. باطرون. نادتني إحداهما. قلت : نعم، ماذا في الأمر. هل من مساعدة؟ نريد فقط التحدث معك. تبدو وسيما. قلت : لو كنت أود الحديث مع شخص آخر لبقيت في الفندق. فيه ما يكفي منهم وزيادة. أحسست كأنهما تعتديان على خلوتي. من فضلكما انسحبا. لست كمن تظنان. جواب إداري حاسم. ما أقساني. وما عساني أفعل غير هذا. لا تكن قاسيا. قالتا. فقط نتكلم قليلا. لن نذهب معك إلى الغرفة. قلت غاضبا : من فضلكما انتهى الكلام. انتهى المشهد الأول. استأنفت مسيري. في الاتجاه المعاكس راجعا إلى مدخل الفندق. جاءت أخرى : باطرون. هل تريد ماساج؟ لا من فضلك. سأذهب معك إلى الغرفة فقط للتدليك، هذه بطاقتي. من فضلك. لا. أنا مسلم لا أتحمل تدليك أنثى لرجل. قالت : آه…فهمت. وانصرفت. لا يهمني ماذا قلت وماذا فهمتْ من كلامي. المهم أنها انصرفت. دخلت غرفتي واستلقيت متعبا كمن خرج للتو من مقابلة في الملاكمة. لن أتجول بعد اليوم ليلا في محيط هذا الفندق اللعين. لليل طعم آخر في أبيدجان. وإن شئت قلت له طعم بألوان مختلفة. اختر منها ما يناسبك.
علاقاتي بالناس لم تتطور بعد. أأتركها للزمن أم أدبرها؟ سأبدأ بالصحافة. أقرأ عن هذه الأرض وأهلها. تستهويني في السنوات الأخيرة قراءة الأعمدة والافتتاحيات. الأعمدة غالبا ما يكتبها كتاب كبار او سياسيون محنكون أو مختصون بارعون. أما الإفتتاحيات فلها شأن آخر. المقدمات تدل على النتائج. هكذا يقول فقهاء المنطق. الافتتاحية إذا كانت موجزة ومركزة تغنيك عن مطالعة صفحات كثيرة. واحيانا ترشدك. هل تستحق الصحيفة القراءة أم تتحول إلى غيرها.