أول صحيفة صادفت في أبيدجان مكتوبة بالفرنسية طبعا. هي لغة التواصل الرسمية هنا. اسمها Fraternité Matin سأحاول ترجمتها إلى اللغة العربية ضدا على كل القواعد. مجرد تمرين فقط :
- أخوة الصباح
- صباح الأخوة
- صباح وأخوة
- أخوة وصباح
- صباح أخوي
- أخوة صباحية.
الأمر يحتاج إلى استفتاء شعبي لاختيار الترجمة المناسبة. لا ضير. أمرُّ.
أنا حر وهذا قلمي رصاص…الفرنسية ليست لغتي ولا يخجلني أن أخطئ عند النطق بها. أمازيغي يتقن اللغة العربية. جهد مشكور. هذا يكفي. الفرنسية لن يمتحنني فيها ملك الموت. لتذهب إلى الجحيم.
الأيام الأولى في أبيدجان، قلت لزميلي : لديهم لكنة خاصة وطريقة غريبة في التعامل مع اللغة الفرنسية. قال : يخطئون كثيرا في النحو والصرف. ولا يحترمون القواعد. قلت له : هذا يريحنا ويريحهم. سنشكل تحالفا ضد اللغة الفرنسية نفعل فيها ما نشاء كما نشاء. لا نحن ولا هم يهمنا أمرها. سندوس لسان فرنسا. تذكرت قول شاعر عراقي يمتدح طالبتين مسلمتين طردتا من مدرسة في فرنسا : نعلاكما خير من فرنسا كلها، جسدا ونفسا.
لا ضير. هي صحيفة يومية مقربة من رئيس الحكومة الإيفوارية الحسن وطارا. بئس الفأل. أرجو أن يبقى ماشيا على رجلين بين الناس. لأن النملة لما صارت لها أجنحة تعذبت. لا هي طارت ولا هي مشت. هكذا يقولون عندنا. رغم أنها حكومية فإنها تتحدث بصراحة. أظن. تنتقد الفساد. الرشوة. الإرهاب. ضعف الأداء في الإدارات. جيد. سأتابع عن كثب حتى يصل الراهب إلى باب الدير.
يوما ما في السابعة صباحا. كالعادة. مدقشدة صغيرة في مدخل مركب تجاري قرب مقر العمل. قهوة سوداء بلون المحيط هنا. أتصفح يوميتي المفضلة.
المواضيع مختلفة. أعمدة على مستوى عال من الجودة كتابة ومضمونا. كونت سريا فكرة علن الأقلام التي تستحق المتابعة مع سبق الإصرار والترصد.
نهاية الأسبوع الأول استغربت. إعلانات الشغل مباشرة قبل إعلانات الموت والعزاء والتأبين. أحصيتها فوجدت عدد إعلانات الموت اكبر بكثير من فرص الشغل المعلن عنها. ثقافة الموت هنا لها نكهة خاصة. إعلانات كبيرة مؤدى عنها طبعا، يذكرون فيها كل أصول الفقيد وفروعه. أسماء طويلة كمركبات . من كل الأديان. مسلم.نصراني. وثني. مناسبات العزاء بالتواريخ والدقائق والقاعات. في الكنائس والمساجد. تأسفت كثيرا للباحث عن عمل في مثل هذه الصحيفة. للبحث عن عمل كان عليه أولا أن يطوف باكيا بمقبرة. ربما بعد قراءة إعلانات الموت قد يحل به اليأس : لماذا البحث عن عمل والنهاية موت وعزاء؟ فكرت في مراسلة مدير الإعلانات بالصحيفة. فضول؟
مرة كنت ماشيا إلى الفندق في الظهيرة. اللون وربطة العنق تدلان على…اعترضني بلطف رجل من أهل البلد.
بونجور باطرون.
قلت : أهلا وسهلا.
قال : أتذكرني؟
قلت : لا. ربما لم يسبق لي أن رأيتك من قبل.
قال : ألم تزر يوما مقر المحكمة الرئيسية بأبيدجان.
قلت : أكيد لم أزرها. للتو قدمت من المغرب ولم افعل بعد جرما يجرني إلى متاهات المحاكم.
قهقهة. قال : أقدم نفسي إذن. أنا حارس شخصي لمسؤول كبير بالمحكمة. خذ. هذا رقم هاتفي المحمول. إتصل بي عند الحاجة للمساعدة. كيفما كانت. ربما تحتاج يوما أن أدلك على أماكن مهمة للزيارة بأبيدجان.
ثمنت عرضه. قلت : شكرا. سأتصل بك عند الحاجة. ربما أقرب مما تظن.
قال : انتبه. إذا أردت أن تقضي ليلة رائعة، أستطيع أن آتيك بالبنات.
تجازو الأمر حدود اللياقة. قلت : أنا مسلم ملتزم ولا أفعل مثل ما تقول.
قال : عفوا. أنا أيضا مسيحي ملتزم !
انصرفت دون تعقيب. حوار الصم والطرشان. متدين ملتزم ومتدين منفتح. أيهما على حق؟ أدركت من خلال عرض الرجل كيف يمكن أن تكون ملامح شخصية المسؤول الكبير في المحكمة وأين يقضي لياليه.