الحلقة 4 : عيد بلا شواء…

إقامتي في أبيدجان رغم قصر مدتها وافقت حدثين هامين. مناسبتان لا تتلازمان دائما. بداية السنة الهجرية وبداية السنة الميلادية. الإحصائيات تشير إلى أن 33 % من الإيفواريين مسلمون و 22 % منهم نصارى والبقية وثنيون. دولة تتعايش فيها كل الآلهة.في بداية السنة الهجرية الجديدة، لا شيء يدل على البهجة والسرور في المدينة. فقط بعض الإذاعات الجهوية والمحلية تحاول جاهدة أن تتحدث عن المناسبة …أما بالنسبة لبداية السنة الميلادية الجديدة، فالاستعدادات للاحتفال بدأت من منتصف شهر دجنبر. الإضاءة والإنارة، الألوان، تزيين الطرقات وتبييضها. في كل أرجاء المدينة. في الطريق إلى المطار ليلة العشاء الأخير بأبيدجان، قلت للسائق وهو مسلم : لماذا لا تعلنون عن بداية السنة الهجرية كما يفعل النصارى إخوانكم عند دخول السنة الميلادية؟ قال باقتضاب شديد : احتفالات المسلمين بسيطة. لا هرج ولا مرج !

قلت : هذا عصر التواصل. لا بد على الأقل من إعلان الحضور في مثل هذه المناسبات. وقف الحديث عند هذا الحد. أدركت أن السائق غير معني بكلامي. ربما. هو يسوقني إلى المطار وأنا أسوقه إلى حديث يتبعه جدال. صمته قتل فضولي. تحية تقدير. مسلمون ونصارى ووثنيون يشكلون فسيفساء جميلة في هذا البلد. حذار من التدخل الأجنبي. ومن فضول أمثالي.

وطارا، كوليبالي، ديابي، ديارا سوبا…إن هي إلا أسماء…لكنها ليست كسائر الأسماء…تصادفك في العمل، في الجرائد والأخبار وفي جل المؤسسات الكبرى عمومية وخاصة. عائلات وأنساب وقبائل تشكل العمود الفقري لعالم السلطة والمال. فيها مسلمون ومسيحيون. لا بد من الحيطة والحذر. لا بد من إدراك القيمة التاريخية والقبلية والاجتماعية والمالية لكل اسم وارد في ملفات تعرض عليك في العمل أو عند ملاقاة القوم خارجه.

اقترب عيد الأضحى وارتفع صياح الأكباش. لثاني مرة يصادفني عيد الأضحى خارج الوطن. الأولى في موسم الحج 2002 وهذه المرة عند أصحاب الفيل سنة 2012. عشر سنوات بينهما. قلت لي : لابد أن أضحي. زميلاي اختارا العكس. أنا عنيد ولا بد أن أضحي….سألت السائق –نعم كان لي سائق شخصي وضعه البنك رهن إشارتي وكان نصرانيا- موتوا غيظا. قلت له : هل تدلني على أهل بيت مسلم فقير أقتني لهم كبش العيد، بشرط أن يسمحوا لي بحضور مراسيم الذبح، أشم دخان الشواء وآكل قليلا منه وأذهب خاوي الوفاض؟ بعد أيام أخبرني بأنه يعرف شخصا مسلما إمام مسجد في قرية صغيرة. أعطيته المال لشراء الكبش مع مصاريف النقل دون أن أنسى اقتناء التوابل للشواء. انتهينا من صلاة العيد في فضاء مكشوف. الخطبة كانت بالفرنسية واللهجة المحلية طبعا. ذهبت مع السائق إلى بيت صديقنا الإمام. دردشنا قليلا. فهمت أنه ذهب في سن مبكرة إلى دولة عربية لدراسة العلوم الإسلامية…عشر سنوات…ثم عاد إلى القرية لتأطير أهلها وتحفيط القرآن الكريم. الله تعالى ينصر دينه بالعجم. ارقصوا يا عرب. ألم يقل لكم أنه إن تخليتم يستبدل قوما غيركم؟

كنا في بناء البيت ندردش. الذبح تم والسلخ مستمر على قدم وساق… رمقت رجل منزويا وحده في فناء البيت يبكي بهدوء. استفسرت عن أمره فقيل لي بانه قبل مجيئنا نقل ابنا له صغيرا إلى المستشفى…كان قد دهسه أحد الجيران بسيارة دفع رباعي …لم يره صاحبها لأنه كان ملتصقا بالعجلة الخلفية…طارت البهجة وشهية الشواء وحضر الحزن. فجأة وقفت بالباب سيارة بها علامة السلطات المحلية. نزل شرطي أو جندي. جاؤوا لإنجاز تقرير عن الحادثة خصوصا وأن الصغير قد مات للتو في المستشفى. خبر نزل كالصاعقة. ارتفع صوت النساء بالبكاء. لم أر نياحة أو صراخا غير مشروع. خيم الحزن على البيت والجيران. قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون. ودعت الإمام وغادرت. إنه أول عيد بلا شواء. في الطريق إلى البيت قلت في نفسي : أبيدجان مدينة غريبة. عند استقبالي رفضت أن تحط الطائرة في مطارها والآن تعاقبني بمنعي من قضيب شواء. معذرة أبيدجان مرة أخرى. ليس فيك عبيد ولا جان.